وليد سيف
الاكتفاء بالمقابلة المبدئية المُجرّدة بين نهج المفاوضات والحلول السياسية في طرف، ونهج المقاومة في طرفٍ آخر، مُضلِّل ملتبِس، إذ يحصر الجدالَ في المبدأ العام: هل أنت مع السلام أم ضدّه؟ ويستتبع ذلك في العادة الكلام عن الواقعية السياسيّة والعقلانيّة واعتبار الظروف الدولية وموازين القوى وعدم تفويت الفُرص، والشرعية الدولية التي لا يمكن تجاهلُها، وويلات الحروب ودورات العنف، في مقابل ثمار السلام ووعود الانصراف إلى التنمية وتحسين مستويات المعيشة في مناخ الأمن والاستقرار والتعاون الإقليمي والدوليّ.

والجدال حول المبدأ بهذا الأسلوب العام المُجرّد، يصرف عن السؤال: أي سلام؟ وما شروطُه ومضامينه وغاياته وآفاقه؟ وما سقف الحقوق الوطنية التي يسعى إليها ويحتكم لها وتمثل معايير النجاح أو الإخفاق كما تمثل شروطَ التفويض؟ وما المدى الزمني لاختبار جدوى المشروع؟ وأخيرا: ما البديل في حال إخفاقه وفقا لتلك المعايير؟
ومن المعلوم أن ثمّةَ من لا يرفض نهج التفاوض من حيث المبدأ، ولكنه يرفض تسوية سياسية تُفرّط بحقوق وطنية ثابتة مثل حق العودة. ويرى أن المقاومة تبقى حقا مشروعاً ما بقي الاحتلال.
وإذ ينشغل الناس بالسجال حول المنهج ومن يمثلونه، وأي الفريقين أجدرُ بصفة التمثيل والشرعيّة والدعم، فإن ذلك ينحرف بالصراع عن وجهته الأساسيّة، من حيث هو صراعٌ بين مشروع الاغتصاب والاحتلال والإحلال الصهيوني وعمقه الاستعماري الإمبريالي من جهة، ومشروع التحرير الفلسطيني وعمقه العربي الإسلامي من جهة أخرى، يصير صراعا بين ما يوسم –أو يوصم– بنهج الاعتدال بإطلاق، ونهج المقاومة والممانعة بإطلاق.
وإذ تتعرّف المفاهيم بأضدادها، فإن "الاعتدال" الذي يتعرّف بالضد من المقاومة، لا مفرّ له من أن يدخل في المعاني المرذولة التي تفيد الإذعان والاستسلام والخضوعَ والتواطؤ، في نظر الضدِّ ومؤيِّديه. وفي المقابل فإن المقاومة والممانعة تتحوّلان في خطاب "الاعتدال" النقيض إلى معاني التطرّف والتشدّد والعنف العبثي "والأجندات" الإقليمية الخفيّة.
وفي هذا السياق المُختلّ، ومع تحوّل خطوط الصراع على هذا النحو، تستطيع دولة الاحتلال الصهيوني أن تُعلن اندماجَها في خط "الاعتدال" الإقليمي العربي الذي يشمل السلطة الفلسطينية نفسَها!
مشهد عبثي مُخجِل: الغزو واغتصاب وطن وتشريد أهله، ومحاولة إلغاء شعبه، وارتكابُ أفظع المجازر بحقّه، كل هذا لا يؤهّل العدوَّ لوصمة التطرّف، ولا يحرمه من الاندماج في صف الاعتدال الذي يضمّ من يُفترض أنهم يُمثّلون الشعب المنكوب، أما البقيّة الباقية من المقاومة، فتستحق تلك الوصمة!
ولا يضرّ العدوَّ بعد ذلك أن يُطالب الجميع بالاعتراف بدولته دولةً خالصة لليهود من دون خلق الله، أي دولة نقاء عرقي– ديني، وهو الذي ما فتئ يبتز العالم مذكرا بأنه كان ضحيّةَ نظام نازيّ قام على فكرة النقاء العرقي وإقصاء الآخر.
ويُطالب بذلك في زمن يطغى فيه الكلام عن التعدديّة وقبول الآخر ونبذ كل أشكال العُنصرية والإقصاء، ويشحذ فيه سماسرةُ الليبرالية الجديدة المُتصهينة أسلحتَهم ضد التيارات القومية والإسلاميّة على الجملة، موزعين عليها تُهمَ الفاشّية والعُنصريّة والظلاميّة والإنغلاق والإقصائية، بينما تنشغل مراكز الأبحاث المموّلة من الخارج بتنظيم الندوات والمؤتمرات والدراسات عن حقوق "الأقليّات" المهدورة في الأقطار العربيّة.
وتخيّلوا لو أن مسؤولا أميركيا دعا إلى تعريف الولايات المتحدة رسميا وقانونياً بأنها دولة البيض الأوروبيين المسيحيين، أو البروتستانت تحديدا! وإذن لقام عليه من الأميركان أنفسِهم من ينعته بالجنون والعُنصريّة والنازيّة، ثم لم يزل به حتى يعزلَه من موقعه ملفعا بالخزي والعار.
ولكن، لم العجب، وقد صار من المألوف أن تُجيز السياسة الغربيّة للكيان الصهيوني ما لا تُجيز حتى لنفسها، فضلاً عن غيرها. ومثلها في ذلك دعاتها في الوطن العربي.
وليس ثمّةَ منهم من يجرؤ على السؤال: ألا يضمرُ تعريفُ الدولة تعريفا عُنصرياً يقوم على فكرة النقاء العرقي– الديني، سياسةَ التطهير العرقي؟ وهل آن الأوان لتهجير من تبقى من العرب الفلسطينيين وراء الخط الأخضر (أو الدامي) وإلحاقهم بملايين اللاجئين السابقين؟ وهل هذا هو الردّ الاستباقي على المطالبة بحق العودة؟ وهل هو شرط لاستئناف المفاوضات أم سبب للإعلان المتأخر عن موتها؟
وإلاّ ما الجديد في وصف الكيان الصهيوني بأنه دولة يهوديّة خالصة، وقد كان هذا أساسَ نشأته منذ بدأت الحركة الصهيونيّة بمشروعها، ومنذ خرج وعد بلفور بنصّه على وطن قومي لليهود؟!
ولا ثمّةَ من يتساءل أيضا: كيف تُطالب "إسرائيل" بالاعتراف بها دولة لليهود حصرا، بينما تتمتع الجماعات اليهوديّة في الولايات المتحدة وأوروبا بكل حقوق المواطنة، بل بأكثرَ منها، باعتبار أن الدين والعِرق لا يدخلان في تحديد المواطنة والهويّة الوطنية؟
أليس من المفترض أن اليهودي الأميركي مواطن من الأمّة الأميركية، وكذلك اليهودي البريطاني في بريطانيا، والفرنسيّ في فرنسا؟
والمفارقة الأخرى أننا ما زلنا منذ دهر نؤكّد أن صراعنا مع العدو الإسرائيلي ليس صراعاً مع اليهود بصفة الدين، وإنما هو صراع مع الغاصب بغض النظر عن دينه وعِرقه، ونفضل الحديث عن الصهيونية والصهاينة وإسرائيل والإسرائيليين –إذا اقتضى الأمر– ثم يكون الصهاينة أنفسهم من يُصرّون على المماهاة بين الصهيوني واليهوديّ.
فإن كان ذاك، صار من المنطقيّ أن يُتهم الغربيُّ الذي ينتقد سياسات إسرائيل –ولو على خجل– بمعاداة الساميّة التي احتُكرت حصراً لليهود واليهوديّة!
كيف يفعل ممثلو نهج التسوية والاعتدال إزاء هذه المطالب الجديدة التي تشترطها إسرائيل لاستئناف عملية السلام مع شركائها؟ من جديد، يمكن الاحتماء بمنطق المقابلة العامّة المُجرّدة بين مبدأ الاعتدال والعقلانية والواقعيّة السياسيّة والعملية السِلميّة من جهة، وخط التطرّف والعنف العبثي والتهديد الإيراني باسم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ